مجمع البحوث الاسلامية

585

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الطّبرسيّ : يجوز أن يكون ( عن ) من صلة معنى ( لا تتّبع أهواءهم ) لأنّ معناه لا تزغ ، فكأنّه قال : لا تزغ عمّا جاءك باتّباع أهوائهم . ومتى قيل : كيف يجوز أن يتّبع النّبيّ أهواءهم مع كونه معصوما ؟ فالجواب : أنّ النّبيّ يجوز أن يردّ عمّا يعلم أنّه لا يفعله ، ويجوز أن يكون الخطاب له ، والمراد : جميع الحكّام . ( 2 : 203 ) الفخر الرّازيّ : وفيه مسائل : المسألة الأولى : [ نحو قول الزّمخشريّ المتقدّم ] المسألة الثّانية : روي أنّ جماعة من اليهود قالوا : تعالوا نذهب إلى محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم لعلّنا نفتنه عن دينه ، ثمّ دخلوا عليه وقالوا : يا محمّد قد عرفت أنّا أحبار اليهود وأشرافهم ، وإنّا إن اتّبعناك اتّبعك كلّ اليهود ، وأنّ بيننا وبين خصومنا حكومة فنحاكمهم إليك ، فاقض لنا ونحن نؤمن بك ؛ فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . المسألة الثّالثة : تمسّك من طعن في عصمة الأنبياء بهذه الآية ، وقال : لولا جواز المعصية عليهم وإلّا لما قال : وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ . والجواب : أنّ ذلك مقدور له ، ولكن لا يفعله لمكان النّهي . وقيل : الخطاب له ، والمراد غيره . ( 12 : 11 ) القرطبيّ : يعني لا تعمل بأهوائهم ومرادهم على ما جاءك من الحقّ ، يعني لا تترك الحكم بما بيّن اللّه تعالى من القرآن ، من بيان الحقّ وبيان الأحكام . ( 6 : 210 ) البيضاويّ : بالانحراف عنه إلى ما يشتهونه ، ف ( عن ) صلة ل ( لا تتّبع ) لتضمّنه معنى : لا تنحرف ، أو حال من فاعله ، أي لا تتّبع أهواءهم مائلا عمّا جاءك . ( 1 : 277 ) نحوه النّيسابوريّ . ( 6 : 108 ) النّسفيّ : نهى أن يحكم بما حرّفوه وبدّلوه ، اعتمادا على قولهم . [ ثمّ قال مثل الزّمخشريّ وأضاف : ] أو التّقدير : عادلا عمّا جاءك . ( 1 : 286 ) أبو حيّان : [ نحو الزّمخشريّ وأضاف : ] وقال أبو البقاء : ( عمّا جاءك ) في موضع الحال ، أي عادلا عمّا جاءك ، ولم يضمّن ( تتّبع ) معنى ما تعدّى ب ( عن ) . وهذا ليس بجيّد لأنّ ( عن ) حرف ناقص لا يصلح أن يكون حالا من الجملة ، كما لا يصلح أن يكون خبرا . وإذا كان ناقصا فإنّه يتعدّى بكون مقيّد لا بكون مطلق ، والكون المقيّد لا يجوز حذفه . ( 3 : 502 ) نحوه أبو السّعود . ( 2 : 280 ) ابن كثير : أي لا تنصرف عن الحقّ الّذي أمرك اللّه به إلى أهواء هؤلاء الجهلة الأشقياء . ( 2 : 587 ) جلال الحنفيّ البغداديّ : فالنّهي هنا عن اتّباع أهواء القوم يعدّ حالة تفسير للحكم الّذي أمر اللّه نبيّه أن يحكم به ، ملتزما بما أنزل اللّه . ومن ذلك الآية الّتي نحن في صدد الكلام عليها . ويفهم من هذا أنّ النّبيّ كان قد ناط اللّه به مهامّا كثيرة ، تتعدّى مهامّ الصّوم والصّلاة والإمامة في النّاس ، إلى القضاء والحكم وإصدار القرار في أخطر الأمور والأحداث الّتي كانت تواجهه . وفيها ما يتعلّق بكيان الأمّة وسلامة المجتمع وحلّ المشاكل الّتي يثيرها خصوم الملّة وأعداء الشّريعة ، وما كان أكثر ما يحدث منها في